تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٥ - تتميم
الآخر الذي إليه ينساق وجود الأشياء سيّما بني آدم، إذ منه صدر الوجود و لأجله وقع الكون.
و هو الآخر أيضا بالإضافة إلى سير المسافرين إليه، فإنهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذاتهم و هويّتهم و اندكاك جبل وجودهم و إنيّتهم، فهو أول في الوجود و آخر في المشاهدة، و اللّه- عزّ اسمه- حيث أنبأنا عن غاية وجود العالم قال: وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [٥١/ ٥٦] أي: ليعرفون: و
قوله: كنت كنزا مخفيّا فأحببت أن اعرف فخلقت الخلق لأعرف.
فدلنا على أنه الغاية القصوى لوجود العالم معروفا كما أنه الفاعل له موجودا، و دلّنا أيضا على بعض الغايات المتوسطة الضرورية
بقوله:
لو لاك لما خلقت الأفلاك.
فالمبدأ و الغاية لوجود العالم و لقاء الآخرة هو اللّه سبحانه و لذلك بنى العالم و لأجله نظمّ النظام.
قال بعض الحكماء: و لو أن أحدا من الخلق عرف الكمال الذي هو الخير الأقصى، ثم كان ينظّم الأمور التي صدرت منه على الوجه الذي صدرت هي عليه و على مثاله حتى كانت الأمور على غاية من النظام و التمام لكان غرضه بالحقيقة هو ذات الباري، فهو الأول و الآخر بهذا المعنى أيضا.
تتميم
قد انكشف إن الموجودات العالمية ٢٨ كلها بحسب فطرتها التي فطرها اللّه عليها متوجهة نحو غايات حقة و أغراض صحيحة، بل الغاية في الجميع أمر واحد هو الخير الأقصى، إلا ان هاهنا غايات وهميّة ٢٩ زيّنت لطوائف من المكلفين، فهم سالكون إليها في لبس و عماية من غير بصيرة و دراية، فهؤلاء الطوائف مع وليّ الوجود و منبع الرحمة و الجود في شقاق ٣٠، فهم ليسوا عباد اللّه في الحقيقة و لا اللّه موليهم الحق، و حيث ما يتولّونه، فلهم لا محالة وليّ، و هو شيطان من الطواغيت، و لما كان